الآلوسي

137

تفسير الآلوسي

للموصوف ليست في * ( التي ) * لكن قيل - كما في " جمع الجوامع " للجلال السيوطي - إن التي في جمع غير عالم أكثر من اللاتي ، نعم إن الآلهة قد عوملت في الآية معاملة العقلاء لأن عبدتها نزلوها منزلة العقلاء في اعتقادهم فيها أنها تنفع وتضر ، فقيل : * ( وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبيب ) * ومن هنا قيل : إن اللاتي في تلك القراءة واقع موقع الآلي أو الذين ، و - التتبيب - على ما في " البحر " التخسير ، يقال : تب خسر . وتببه خسره . وذكر الجوهري أن التب الخسران والهلاك . والتتبيب الاهلاك ، وفي القاموس التب . والتبب . والتباب والتتبيب النقص والخسار . وأخرج ابن جرير . وابن المنذر عن ابن عمر . ومجاهد تفسير ذلك بالتخسير ، وكذا أخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عنهما إلا أنه استشهد عليه بقول بشر بن أبي خازم : هم جدعوا الأنواف فأذهبوها * وهم تركوا بني سعد ( تباباً ) وحينئذ فالمعنى فما زادوهم غير تخسير أو خسارة لنفوسهم حيث استحقوا العذاب الأليم على عبادتهم لها نسأل الله تعالى العفو والعافية . * ( وَكَذالِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) * * ( وَكَذَلكَ ) * أي مثل ذلك الأخذ والإهلاك الذي مر بيانه ، وهو على ما قال السمين : خبر مقدم ، وقوله سبحانه : * ( أَخْذُ رَبِّكَ ) * مبتدأ مؤخر ، وقيل : بالعكس ، والكاف يحتمل أن تكون اسمية وأن تكون حرفية وقد يجعل المشار إليه الأخذ المذكور بعد كما تحقق قبل ، وفي قراءة عبد الله كذلك بغير واو . * ( إذَا أخَذَ الْقُرَى ) * أي أهلها وإنما أسند إليها للإشعار بسريان أثره ، وقرأ الجحدري . وأبو رجاء * ( وكذلك أحذ ربك إذا أخذ ) * على أن * ( أخذ ربك ) * فعل وفاعل ، والظرف لما مضى ، وهو إخبار عما جرت به عادة الله تعالى في إهلاك من تقدم من الأمم وكذلك على هذا ساد مسد المصدر النوعي ولا مانع من تقدمه على الفعل والقرى متنازع للمصدر والفعل ، وقوله سبحانه : * ( وَهي ظَالمَةٌ ) * في موضع الحال من * ( القرى ) * ولذا أنث الضمير و * ( ظالمة ) * إلا أن وصف القرى بالظلم مجاز وهو في الحقيقة صفة أهلها وجعله حالاً من المضاف المقدر أولاً وتأنيثه مكتسب من المضاف إليه تكلف ، وفائدة هذه الحال الأشعار بأن أخذهم بسبب ظلمهم ، وفي ذلك من إنذار الظالم ما لا يخفى ، والمراد بالظلم إما الكفر أو ما هو أعم ، وظاهر صنيع بعضهم أخذاً من إطلاقه أنه شامل لظلم المرء نفسه . وغيره * ( إنَّ أَخْذَهُ أَليمٌ ) * وجيع * ( شَديدٌ ) * لا يرجى منه الخلاص وهذا مبالغة في التهديد والتحذير ، أخرج الشيخان في صحيحيهما . والترمذي . والنسائي . وابن ماجة . وآخرون عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ * ( وكذلك أخذ ربك ) * إلى قوله تعالى : * ( إن أخذه أليم شديد ) * " . * ( إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الاَْخِرَةِ ذالِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَالِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ) * * ( إنَّ في ذالكَ ) * أي أخذه سبحانه للأمم المهلكة أو فيما قص من أخبارهم * ( لآيَةً ) * أي لعلامة ، وفسرها بعضهم بالعبرة لما أنها تلزمها وهو حسن ؛ والتنوين للتعظيم أي لعبرة عظيمة * ( لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرَة ) * فإنه إذا رأى ما وقع في الدنيا بالمجرمين من العذاب الأليم اعتبر به حال العذاب الموعود فإنه عصا من عصية وقليل من كثير ، وانزجر بذلك عن المعاصي التي يترتب عليها العذاب وأكب على التقوى والخشية من الله تعالى ، وقد أقيم * ( من خاف ) * الخ مقام من صدق بذلك لما بينهما